الشيخ محمد الصادقي الطهراني

51

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الربانية ، ف « ذلك » الإرسال المتواتر لرسل الجن والإنس يعنى فيما عناه أن يكون إهلاك القرى بظلمهم دون غفلة قاصرة ، بل على تقصير منها بغفلة مقصرة ، إذاً ، ف « وَأَهْلُها غافِلُونَ » تعني الغفلة القاصرة . وقد تخرج « وَأَهْلُها غافِلُونَ » غير الغافلين عما يتوجب عليهم أو يحرم عند اللّه وإن لم تصلهم دعوات الرسل ، حيث الفطرة والعقلية الإنسانية مبصرة لأهليها ، ولكن الغفلة المقصرة في غير ما دعوة رسالية لا تتطلب الإهلاك مهما تطلبت حسابا يوم الحساب كما في كلّ الأحياء . ذلك ، لأن الإهلاك يوم الدنيا ليس إلّا لعظيم العصيان حيث يعمّد في جو البلاغات الرسالية : « . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً » ( 17 : 16 ) ( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ » ( 26 : 208 ) ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لاأَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا » ( 20 : 134 ) ، إذا فالغفلة المغفورة بالنسبة لذلك الإهلاك تجمع المقصرة إلى القاصرة عند عدم البلاغ الرسالي « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » ( 8 : 42 ) . ذلك ، ولا يخص إهلاك القرى بتدميرها بأهليها ، بل وبإضلاله إياها أن يجعل صدورهم ضيقا حرجا ، اهلاكان في الأولى وآخران في الأخرى ، في البرزخ والقيامة الكبرى ، جزاء وفاقا . ثم « بظلم » قد تعني إلى ظلمه سبحانه ظلمهم عن غفلة دون رسالة هادية ، فإهلاكهم وهم غافلون بظلم ظلم في غير جو الرسالة الربانية ، مهما كان لظلمهم جزاءً وفاقا ، ولكنه ليس ذلك الإهلاك : « فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها » ( 22 : 45 ) « وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ » ( 11 : 117 ) . وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) : « ولكلّ » من الصالحين والطالحين من الجن والإنس ، « درجات » مهما كانت درجات